لمحات من سيرة حياة مثلث الرحمة مطران ألقوش الأسبق مار عبد الأحد صنا (داود برنو)

أرتأيت أعادة نشر هذه المقالة بمناسبة مرور ثلاثة وستون عامآ على تنصيبه راعي لأبرشية القوش، التي أستحدثت في  عام 1960،ولأهمية دور هذا المطران في المحافظة على القوش وأهاليها.توفي في بداية عام 2007 ولم يملك تكاليف الدفن،ولم تدفع الكنيسة في القوش أجور دفنه،بل تحَملَ البعض من التكاليف عائلة الياس خندي ،ربما أحدآ يقارن بينه وبين بعض من رجال الدين لهذا الزمان ،ولقد تم نشر هذه المقالة في موقع عينكاوا بتاريخ 5-4-2007 .
لقد فوجئت بنبأ وفاة المطران مار عبدالأحد صنا،وتفاجأ معي الكثيرين من أهالي القوش في الخارج،لأنه ما كان أحدآ يتوقع أن تنتهي حياته بهذه السرعة،بالرغم من أنه كان يعاني من بعض المشاكل الصحية خاصة في قدمهِ،لكنها لم تكن تشكل خطورة مباشرة على حياته،لقد كنت أتابع أخباره الصحية من خلال صديقي الأستاذ نجيب عيسى المقيم حاليآ في السويد،لكونه من أكثر المقربين له،وكان دائم الأتصال معه،وعلى أية حال إنها مشيئة الربً لا محالة،وهذا هو طريقنا جميعآ،لكن هناك من يترك فراغآ من الصعب جدآ ملئُه.

لا أدري من أين أبدأ بالكتابة عن هذا المطران الجليل،إنه كان يشكل تراثآ وتاريخآ ورمزآ لقصبة القوش،لقد كان جميع المسؤولين من الحكومات المتعاقبة في كل من الموصل وبغداد يعرفونه بهذا الأسم.إنه مطران القوش الذي التصقتً شخصيته بهذا الأسم وبالعكس،كان الجميع يعرفونه رجلآ شجاعآ صلبآ لم ينحني أمام أحدآ ،مهما كان موقعهُ وعَلا شأنه خلال حقبة زمنية تجاوزت الأربعينَ عامآ،كان دائمآ كان يفتخرُ لكونهُ راعي أبرشية ناحية القوش،هذه البلدة المشهورة التي كانت سابقآ تعتبر روما الثانية للمسيحيين في العراق، والتي يمتدً تاريخها الى أكثر من الفي عام ونيفً،لقد تم أختياره لهذه الأبرشية من قبل مثلث الرحمة البطريرك مار بولص شيخو،إنه حقآ كان يدرك منذ ذلك الحين أن هذا المطران سيكون الراعي الصالح والمناسب للبلدة التي أنجبته،كنا دائمآ نسمع من البطريرك شيخو لدى زيارته لأهلهِ في القوش وفي دير السيدة قائلآ،أنني إخترتُ لكم الأفضل من يدير هذه الأبرشية،لما يتمتع به من صفات تلائم طبيعة أهالي المنطقة،ولكونه ينحدر من قرية أرادن الحبيبة التي تتشابه طبيعة الحياة  فيها مع منطقة القوش.لقد أثبتتً التجارب العديدة وبالأدلة القاطعة صحة أختيار البطريرك شيخو.لقد كان هذا المطران المدافع الأمين لهذه البلدة وأهاليها في جميع الظروف وبأعتراف الجميع دون أستثناء،ولو أن البعض القليل جاء أعترافهم متأخرآ وهذا ما كنا نلمسه من أهالي القوش من خلال الممارسات اليومية،وخاصة بعد أحالتهِ على التقاعد وأصراره على أكمال ما تبقى من حياته في ربوع هذه البلدة التي أحتضنتهُ وأحتضنها أكثر من أربعون عامآ،في الوقت الذي كان بأمكانه العيش الرغيد في أميركا بين أهلهِ وأقربائهِ،وأن يتلقى العلاج بشكل أفضل وتكاليف أقل،لكنهُ أبى إلا أن يقضي حياتهُ في القوش،كما جاء في وصيتهِ التي تؤكدُ بأن يُدفنً في كنيسة هذه البلدة،وهذا دليل آخر على أن المطران فضَلَ هذه القرية على جميع بقاع الدنيا بما فيها قريته( أرادن ) مع أحترامنا الشديد لأهلها الطيبين،وهذا الموقف سوف يتركُ أثرآ بالغآ في نفوس أهالي القوش،وسينعكس بشكل أيجابي تجاههُ رحمهُ الله مما يعزز من عزمهم وتصميمهم الى تخليد هذا المطران.لقد تعرفت على سيرة المطران من خلال المرحوم الأستاذ حبيب شَدًا الذي كان مستشارآ له لفترة تزيد عن عشرينَ عامآ،وتلك الفترة كانت من أصعب الأيام التي أجتازتها القوش بسلام.

لقد كان المرحوم حبيب شَدًا قَدً دون تاريخ القوش منذ تموز عام 1958 وحتى عام 1992 وبدقة متناهية وبشكل نزيه ومحايد،كان للمطران دور رئيسي في حياة هذه البلدة،وكانت معظم الأحداث موثقة بشكل دقيق.لقد إطَلعًتُ على تلك الوثائق كامِلةً،بالرغم من أنه كان قدً سَجلَ ملاحظات على البعض منها بأنها لا تصلح للنشر بل تُحفظ بشكل محكم لأهميتها،مع الأسف الشديد أن الأستاذ حبيب توفي فجأةً في الأردن ولا نعرف لحد الآن ماذا حصل لتلك الوثائق والمذكرات، متأملين أن يتم نشرها في المستقبل القريب،يظهر جليآ من خلال تلك الوثائق كم من المرات تعرضت حياة المطران للخطر،وكم من رسائل التهديد أرسِلتً اليه ولا تزال محفوظة الى الآن.إن كل تلك المخاوف والتهديدات تَحَمَلها من أجل القوش (لم يتركها كغيرهِ من الذين تركوا الأبرشية بعد سقوط النظام )ولم يتَرددً يومآ في إتخاذ أي موقف يَصُبُ في مصلحة البلدة وأهاليها.
إن الظروف التي مَرتً بها القوش كانت قاهرة تَكَبدتً فيها خسائر فادحة بالأرواح والممتلكات،حيث زُجَ المئات من الأهالي في السجون،وقتل أكثر من ثلاثون فردآ من الأهالي خلال الفترة ما بين 1963 حتى 1988 جميعهم كانوا أبرياء لا علاقة لهم بالنزاع الذي كان دئرآ بين الحركة الكوردية من جِهة والحكومة العراقية من جهةِ أخرى،ولو لا القيادة الحكيمة للمطران، لحَصَلَ لهذه البلدة ما حصلَ للقرى المسيحية الأخرى في كوردستان،مثل آرادن ، مانكيش ، كاني ماسي…ألخ وغيرهم حيث هُجِروا الأهالي أما المنازل فتهدمت بقنابل السلطة الحاكمة،ولم تسلمً حتى الكنائس التي سُويتً مع الأرض،وتمت هذه العمليات بأشراف المجرم علي حسن المجيد ومعه الفرسان (الجحوش).

إن إدارة ناحية القوش صَعبً جدآ لما تتميز به عن غيرها من وضع معقد، حيث كانت تتكون الناحية من 63 قرية تقطنها قوميات مختلفة وأديان متعددة،منهم المسيحيين من الكلدان،والآشوريين،ومنهم اليزيديين،وكذلك الأكراد والعرب،ومن الأدلة على ذلك أن الحكومة عندما كانت تريد أن ترفع درجة مدير الناحية الى درجة القائم مقام،كانت ترسلهُ ليعمل مدير ناحية في القوش لأنها كانت تشكل أختبارآ له،ولاحظنا الكثير من الذين عملوا بنجاح في القوش كان لهم وظائف عليا في الدولة،ومنهم سيروان الجاف..الخ،وهكذا أيضآ بالنسبة الى رجال الدين فإن الأدارة لهذه الأبرشية صعب جدآ ولاسيما بسبب موقعها الجغرافي،أن المطران الجليل أثبت جدارته العالية في إدارة هذه الناحية وأقامَ شبكة واسعة من العلاقات الجيدة مع جميع الأطراف في المنطقة، بالرغم من الظروف الأستثنائية التي كانت تسود المنطقة بسبب الحركة الكردية،وهنا أودً الأشارة الى حادثة واحدة كُنتُ مُطَلعً عليها ربما لا يعرفها الكثيرون.
في أواسط عام 1974 كنت ضابط في قوات المغاوير برتبة ملازم أول،أشتركت مع المقدم أرشد زيباري قائد جحفل الفرسان في عملية عسكرية في منطقة عقرة تسمى (شوش وشرمن)وهي قرى تسكنها عشيرة الزيباريين،وبعد أن تم أحتلال سلسلة جبل باكرمان،أمضينا تلك الليلة سويةً في إحدى المغارات،ومن خلال الأحاديث سألني كيف تعرف اللغة الكردية،فقلت له أنا من القوش،فقال أنا في الحقيقة سمعت الكثير عن أهالي القوش،ثم سألني هل تعرف مطران القوش،قلت نعم،فقال بالحقيقة أنا مدين لهذا الرجل الطيب وأريد أن أردً الجميل له وأن أكرمهٌ ببعض الهدايا لاسيما أنني سأذهب الى لندن بعد عدة أيام ولمدة أسبوعين وبودي شراء بعض الهدايا له من بريطانيا ولا أعرف ما يلزمهُ رجل الدين المسيحي،فقلت له ما هي المناسبة،فقال قبل عدة سنوات قمنا بعملية تطهير جبل القوش من (العصاة) وكانت الأوامر الصادرة من مديرية الحركات العسكرية تنصً أيضآ على ملاحقة المطلوبين داخل قصبة القوش،وفجأةً زارني المطران منذ الصباح الباكر ومعه أثنين من الأهالي خارج القرية وسلمني ظرف فيه مبلغ من المال،فقلتُ له ما هذا!! أجابني ..هذه مصاريف الأكل والشرب والسكائر للمقاتلين،ولكن كل ما نطلبه منكم هو عدم الدخول الى القصبة حفاظآ على العوائل،ونعلمُ بوجود مفارز أستخبارات معكم ولديهم أسماء المطلوبين،فقام المطران بترضيتهم حيث كان عدد المقاتلين أكثر من 700 مسلح يضمُ عشائر الزيباريين،والهركية،والسورجية،وأكتفي بهذا القدر من الأيضاح،بعد فترة قمت بزيارة المطران وكان المقدم أرشدً فعلآ قدً قدمَ هدية الى المطران،ومن جهة أخرى لقد كان للمطران علاقة جيدة مع بعض المسؤولين من البيشمه ركة في المنطقة وفي مقدمتهم المسؤول العسكري لقضاء الشيخان وسهل نينوى السيد حسو ميرخان والسيد صالح نرمو وآخرين..كما كان المطران يعمل جاهدآ في مساعدة أهالي القوش من الذين تعرض ربُ العائلة أو أحدً أبنائه الى السجن دون تميز بين هذا وذاك وأحتفظ بأسماء عديدة لا داعي لذكرها.
 كتبنا ملف خاص حول أحداث الأنتفاضة في القوش التي بدأت في آذار عام 1991،لقد أبدعَ المطران في إدارة هذه القصبة أثناء المِحَنً، ومن خلال الظروف الصعبة التي عاشتها وخاصة أثناء الأنتفاضة،لقد كنت مرافقآ له منذ بداية الأحداث حتى نهايتها،ومُطَلعً على جميع تفاصيلها السرية والعلنية،لقد كانت تلك الأيام عصيبة وأجوائها رهيبة،في ذلك اليوم وصَلَتنا معلومات بأن رجال الأنتفاضة يزحفون نحو القوش قادمين من الشيخان،فخَلتً الشوارع والأزقة في القوش من المارة،وكل شئ في البلدة أصبحَ ساكنآ صامتآ،حيث أجتمعت العوائل والعشائر في بيوت محصنة،وهيأة سلاحها للدفاع عن نفسها لعدم وجود خطة عامة للدفاع عن القصبة،لأننا لم نكن نتوقع أن يكتسحوا قضاء الشيخان بهذه السرعة،وكان لأهالي القوش أكثر من 300 قطعة سلاح،بالأضافة الى حوالي مائة قطعة لحزب البعث كانت موزعة على الموظفين وبعض الأهالي،أما مسؤولي الحكومة في القوش تم الحفاظ عليهم لدى الأهالي ومنهم مدير الناحية ومأمور المركز وآخرين…أما الرجل الشجاع عبد يونس ختي تحفظ على مفرزة كاملة من الفرسان الأكراد في دارهِ،بالنسبة الى مسؤولي حزب البعث ومفرزة الأستخبارات بقيادة سفر حسن اليزيدي البالغ عددهم ما يقارب أربعون مقاتلآ قرروا المقاومة،وتحصنوا في بناية مقر فرقة الحزب،لقد حاول المطران معهم التخلي عن هذا القرار وترك الناحية ولكن دون جدوى،كانت المعلومات الواردة عن الأنتفاضة،أن المنتفضين أكتسحوا قضاء الشيخان وأحرقوا ودمروا كل ممتلكات الدولة،وهم في طريقهم بأتجاه ناحية القوش مشيآ على الأقدام،وفي الساعة العاشرة صباحآ جاء الي خادم المطران ألياس وهو مسرعآ يقول إن المطران يُريدكَ حالآ حالآ..،ولا يَبعدً داري عن المطرانية أكثر من مائة متر،ذهبتُ اليه حالآ وقابلت المطران وهو لوحده وفي حالة أرباك شديد يسير بخطوات مسرعة في باحة المطرانية والسيكارة لا تفارق يَدهُ،وقال لقد أرسلتُ أبو قيس (حبيب صادق شَدةَ)قبل ساعتين لكي نعرف القرار النهائي لمسؤولي حزب البعث هل سيقاتلون أم ينسحبون،لأن المعلومات الأخيرة التي وردتنا تقول أن المهاجمين يقدر عددهم بالمئات وبحوزتهم أسلحة متوسطة وثقيلة ولحدً الآن أستاذ حبيب لم يعود،والجميع ذهبوا الى عوائلهم وحتى رجال الدين لم يبقَ هنا أحدآ غيري،لقد كان بحوزتي بندقية كلاشنكوف وناظور عسكري،قلت له هَيا لنصعد الى سطح الكنيسة العالي ونراقب الأحداث من خلال الناظور لحين مجئ أبو قيس،شاهدنا أفواج من قوات الأنتفاضة يجتازون قرية بيبان (التي تبعد حوالي 7 كيلومتر) بأتجاه القوش،وكان المطر يهطل بغزارة مما أثقل كاهل المتقدمين أثناء سيرهم في الأراضي الزراعية،وبعد حوالي نصف ساعة،شاهدنا البعثيين وجماعتهم ينسحبون من مقرهم جنوبآ بمسافة كيلومتر واحد وبدأ الأشتباك بين الطرفين من مسافات بعيدة,ولم تمضي عشرون دقيقة حتى إنسحبوا البعثيين ،وكانت لهم عجلات مهيأة للهروب الى الموصل،بعد ذلك توجهوا المنتفضين نحو القوش وبدأوا بالإقتحام من الشرق والجنوب،طلب مني المطران أن أذهب وأستقبل مسؤولي الأنتفاضة ممثلآ عنه، وقال لولا هذا المطر الغزير لذهبت بنفسي لأستقبالهم،نزلنا من السطح وبقي المطران لوحدهِ بالكنيسة بعد أن أعطاني مظلته الشخصية،ومظلة أخرى أقدمها هدية الى مسؤولي الأنتفاضة لحمايتهم من المطر الغزير ،ولم نعرف من هو المسؤول عن الأنتفاضة،في تلك الأثناء جاءَ الى الكنيسة بعض من أعضاء مجلس الخورنة ومنهم بحو يونس صفار الموجود حاليآ في القوش ويوسف روفا،أمرهم المطران بأن يرافقونني ثم جاءَ أيضآ من محلة سينا الأستاذ يوسف عبو (زرقا) ورحيم كجوجا وعدد من الأشخاص،أرسل المطران رحيم كجوجة الى كل من جرجيس بولا،عوني حبيب أسمروا،كوريال بلو،سعيد موقا،لأهمية دورهم في هذه الظروف، ومن سوء الحظ جميعهم كانوا في الموصل،وإن الطريق بين الموصل والقوش إنقطع كليآ منذ الصباح الباكر،على أيةِ حال ذهبنا نحن الثلاثة لأستقبال قادة الأنتفاضة ونحن بدون سلاح،وعلى مسافة 500 متر شرق القوش ألتقينا مع قائد المجموعة المدعو خالد آغا جمانكي وتقدمت له بصفتي ممثل المطران وهؤلاء معي مساعدي المطران،فرحب بنا وعَرَفَ نفسه هو أيضآ،وأعطيتهُ المظلة،وأعطيتُ الأخرى الى شقيقهُ علي،وأستصحبناهم الى الكنيسة للقاء المطران،وكان عدد من المسلحين معه لحمايتهِ أما الآخرون أنتشروا في القصبة ،لدى وصولنا الكنيسة كان هناك مجموعة من الرجال وهم بالزي الألقوشي التقليدي واقفين أمام الكنيسة لأستقبال قادة الأنتفاضة،يتقدمهم حبيب صادق شَدًه ويوسف عبو (زرقا) ورحيم كجوجا وآخرون لم أتذكر أسمائهم،دخل خالد آغا الكنيسة ومعه حوالي خمسين  مسلحآ، وبعد أن صافحَ المطران بحرارة صرح وقال ،إنني أريد أن أصارحكم لكي لا أخجَلً أمامكم فيما بعد،وأضافَ قائلآ إن جماعة الأنتفاضة التابعين لي هم حوالي 150 مسلحآ أما الباقون والبالغ عددهم أكثر من خمسمائة مسلح لا أعرف من أين جاؤوا ولا أتحمل مسؤوليتهم،لأنهم جاؤوا للنهب والسلب فعليكم أن تتخذوا الأحتياطات اللازمة..ألخ،نادى المطران على حبيب شَدَه وقال له هل سمعتَ ما قالهُ؟أريدً تشكيل فريق خاص من الأهالي لمتابعة هذه المهمة،بعد الحديث الذي أجراهُ خالد آغا مع المطران خرج من الكنيسة وتم إسكانهم في بعض الدور التي تم إخلائها من قبل عناصر البعثيين،وقام حبيب شَدَه بمرافقة خالد آغا حتى الساعة الثامنة مساءَ للتنسيق معه،وبينَ له كيف أن أهالي القوش لا يؤيدون الحكومة والدليل على ذلك،إن الذين أشتبكوا معكم في القتال جنوب البلدة جميعهم من خارج القوش وهذه هي الحقيقة،عادَ أبو قيس الى المطرانية وجلبَ معهُ صورة كبيرة للبارزاني مصطفى وعُلِقَتً في قاعة الضيوف،وتم تقسيم الواجبات بين فريق العمل الذي كان يأخذ توجيهاته من المطران مباشرةً،وبدأ شباب القوش بتأمين الحراسات ليلآ لجميع أهالي القصبة،ولم يسمح لجماعة الأنتفاضة حتى المسير ليلآ في شوارع البلدة وأزقتها حيث كان الجميع مجهزين بالسلاح ويتمتعون بالمعنويات العالية الى هنا ينتهي اليوم الأول من الأنتفاضة.

لقد سيطروا جماعة الأنتفاضة على ناحية القوش مدة 17 يومآ، بعدها بيوم تقدمت فرقة من الجيش الى المنطقة،وكان مقر القيادة في قرية شرفية الآشورية التي تبعد عن القوش 4 كيلومتر الى الجنوب،وفجأةً أنسحبوا جماعات الأنتفاضة وبدأت المدفعية تقصف بعض الأهداف في محيط القوش،كانت الشظايا تصيب بعض الأهالي ومنهم شمعون بلو وعدد من النساء والأطفال،وبقيت القوش محاصرة لمدة أسبوعين،فُقِدتً المواد الغذائية من الأسواق المحلية،وكذلك أصبحنا نعاني من أزمة المياه والخدمات الأخرى كالكهرباء…ألخ.
قَررَ المطران بأن نقوم بعمل ما لأنهاء هذا الحصار الذي أصبح فوق طاقتنا،فقرر تشكيل وفدً برآسته لمقابلة قائد الفرقة في قرية الشرفية،ولكن واجهنا مشكلة أخرى وهي عدم تيسر البانزين للسيارة التي تقلنا،ونحن نناقش هذه المشكلة دخل علينا استاذ كريم يلدكو وتبرع بأن يشارك معنا في الوفدً مع سيارته،وفي اللحظات الأخيرة قبل مغادرتنا،إعترض عدد كبير من الوجهاء على تشكيلة الوفدً،وأقترحوا أن يذهب الخوري هرمز صنا رئيسآ للوفدً بدلآ من المطران خوفآ من مكروه قدً يحصل له لا سامح الله فتكون الكارثة كبيرة،عند ذلك من سيتبنى قضيتنا أمام الحكومة العراقية بعد حصول كل هذه الفوضى التي أدت الى حَرقً دوائر الدولة وسرقة ممتلكاتها والتجاوزات على البعض من الأهالي المؤيدين للنظام…ألخ
لا أحدً يستطيع حماية أهالي القوش من بطش الحكومة والسلطة بعدما أصابها كل هذه الخسائر المادية والمعنوية في غياب المطران.تمت الموافقة على التغير، بان يكون الوفدً برآسة الخوري هرمز وعضوية حبيب شَدًة،داود برنو،كريم يلدكو،جَلسَ حبيب شَدة في الأمام حاملآ بيده علم أبيض كبير يرفرف لإرسال إشارة الى ضابط المدفعية بأن العجلة تحمل المدنيين،لدى وصولنا سألنا عن القائد من رئيس أركان الفرقة العقيد الركن نجم الدين فقال إنه يصلي في باحَة الكنيسة إستغربنا من ذلك،فقال العقيد إن القائد فضلَ ألصلاة في باحة الكنيسة لأن المسلم الحقيقي يجب أن يعتبر الكنيسة من بيوت الله.بعدها التقينا مع القائد وقدم الخوري هرمز نفسه ممثلآ عن المطران،وتم مناقشة الحصار المفروض على القوش .. فقال،(إنني لا أعرف الى متى سيقى هذا الحصار لأن الخطة مركزية،ولكن لدَيَ أجتماع مع قائد الفيلق في سَدً صدام هذه الليلة ربما سأعلَمُ بذلك فيما بعد،ولكن على أية حال إنني أتوقع أن الحصار سيبقى بعض الوقت أي لعدة أيام وليس الأسابيع،وهكذا رجعنا الى القوش بدون أيةِ مشكلة،وتم إعلام المطران والدائرة المحيطة به بنتائج هذه الزيارة،وإنتهت الصعوبات والمشاكل مع قوات الأنتفاضة بسلام وكان للسيد عبد رزوقي دور مهم بذلك،ويعدها هَيأَ المطران فريق آخر ليواجه الحكومة عن ما حصل في القوش من تخريب في مؤسسات الدولة وحرق وإتلاف صور صدام في البلدة…ألخ .

إن كل ما تم سَردُه أعلاهُ لأبين للقارئ الكريم خطورة تلك المرحلة وظروفها الصعبة وكيف قادها وأشرف عليها المطران الشجاع والحكيم مار أبلحد صنا شخصيآ وبمعنويات عالية،إنني لم أتطرق الى الأحداث التي حصلت أثناء سيطرة جماعات الأنتفاضة في القوش،لأنها كثيرة ومؤلمة،خاصة قضية سلاح البعث، وإختفاء مدير الناحية وبعض الموظفين داخل القوش وقضايا أخرى …
    داود برنو

شاهد أيضاً

 أبٌ لثلاثة شهـــداء, يبيع كلينيكس حتى يشتري  دواءً لـدائـــه (شوكت توسا)

  أكتب وقدإحتقنت العبرة سواداً في المآقي على وطن  تقاسمت أشلاءه الخمبابات وجواريهاالفاشنستات,أكتب لأحتج ضد …