الدين والسياسة… بين قدسية الأمس وواقع اليوم

منذ صغري، كانت والدتي – رحمها الله – تحدثني عن رجال الدين حديث القلب المؤمن البسيط، فتقول لي: “يا ولدي، رجال الدين، وبالأخص المسيحيين، هم نظيفون، قديسون، أطهار. إذا مدّ أحدهم يده إليك فقبّلها باحترام، وإذا وضع يده على رأسك فانحنِ بخشوع، فهم يغفرون ذنوبك ويصلّون لأجلك حتى لا يصيبك الشر.” كنت أستمع إلى قولها وأرى في رجال الدين وجهًا من وجوه الطهر والصفاء، بعيدين عن الدنيا وصراعاتها. لم يكونوا في نظرها ولا في نظري أهل سياسة أو نزاع، بل رسل سلام يكرهون الظلم ويحبون الخير لكل إنسان، لا يفرّقون بين مؤمنٍ وآخر، ولا بين مذهبٍ وآخر. لكن الزمن تغيّر، وها أنا اليوم أرى ما يخالف ما قالته والدتي رحمها الله. رأيت بعض رجال الدين يدخلون ساحة السياسة، وأسمع القس أو الشيخ أو رجل الدين يُدلي بصوته لحزبٍ ما، في بلدٍ تمزّقه الأحزاب التي لا تعرف من السياسة إلا القوة والسيطرة. في العراق، كثير من هذه الأحزاب كانت – للأسف – سببًا في قتل البشر وتعذيب الأبرياء، لمجرّد أنهم لم ينتموا إلى حزبهم أو خالفوهم في الرأي. فما ذنب من لا يريد أن يكون تابعًا؟ وما ذنب من أراد أن يعيش حرًا بكرامته؟ من هنا جاء تساؤلي ووجعي: بأي حقٍّ يمنح رجل الدين صوته لحزبٍ لوّثت يداه بالدم؟ أليس بذلك يشاركهم في فعلهم؟ أليس بصمته أو بدعمه يُعطي غطاءً دينيًا لأفعالٍ لا تمت إلى الدين بصلة؟ فمنح الصوت في هذه الحالة ليس مجرد تصويتٍ انتخابي، بل هو شهادة، ومن شهد للظالم فقد ساعده. ولهذا أقولها بوضوح: كل رجل دين يختار أن يكون طرفًا سياسيًا منحازًا، عليه أن يخلع ثوب القداسة، ويترك اسم “رجل الدين” ليُعتبر إنسانًا عاديًا مثل غيره، له ما للناس وعليه ما عليهم. إن رجل الدين الحقيقي لا يكون تابعًا لحزب، بل يكون ضميرًا حيًا فوق الأحزاب، صوتًا للحق لا يُشترى، ونورًا في ظلمة الانقسام. الدين ليس وسيلة للسلطة، بل رسالة للسلام. ومن ينسى هذه الحقيقة، يفقد جوهر رسالته مهما كان لباسه أو لقبه. رحم الله والدتي، كانت ترى في رجال الدين ملائكة تمشي على الأرض، لكن يبدو أن الأرض تغيّرت، وقلّ من بقي نقيًّا كما تخيّلته قلوب الأمهات الطيّبة

بقلم صباح پلندر

شاهد أيضاً

نائبان مسيحيان في برلمان كوردستان يحذران من خطورة الأحداث على مكونات غرب كوردستان

عمكاباد- زاكروس أعرب عضوا برلمان كوردستان  جيمس حسدو هيدو ورامي نوري شياوش، اليوم الثلاثاء (26 …