مدوّنة حرب طاحنة تتوّج رحاها بالأيتام

نقد: كريم إينا

صدر للشاعر جميل الجميل مجموعة شعرية بعنوان: ” أطحنُ الحرب وأتوّجُ نفسي بالأيتام ”  الطبعة الأولى سنة2022 ضمن منشورات الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق/ المركز العام بغداد. مصمّم الغلاف: نصير لازم يقع الكتاب بـ (80) صفحة إحتوت المجموعة على الإهداء وسيرة ذاتية بـ(21) قصيدة والكتاب من الحجم المتوسط، يبدأ كالعادة بصرخاته، كان ثمّة وجع يثيرُ شكوك نفسه، يبحثُ عن الصيدلاني الذي وصفهُ بالبقال كقوله: في قصيدة ثالوث عسكري  ص7 / كالعادة أستيقظُ متأخراً / غاضباً من الوجع في صدري / لم تنفع الأدوية التي وصفها البقّال لي /،  فتراهُ تارةً يرسمُ على الجدران وأخرى تقف ذاكرتهُ في طابور الحب، فيستنبطُ نصوصهُ الممتازة من صحّة تفكيره، تجعلهُ قادر التأثير على المتلقّي، إنّ الشاعر جميل وحدة مستقلة وُجد ليعيش للتأثر بشيء، وما يصدرُ من نفَسه الشعري يتجهُ تماماً القراء وسامعيه في مناسبات شتى وحالات متباينة، فتراهُ يقول: للمراوح كفى وهي تقضمُ النظر، يكتبُ شعرهُ كالبيت الذي يبنيه في مكبّ التجاوزات، يظلّ يمرُ في مدينته لتكمن سعادتهُ، فيملاُ الضفائر الحبلى بالرشاقة، ليتوّج نفسهُ بالأيتام والأرامل، حقيقة قصائدهُ تنهمرُ بالثمار اليانعة، إنّ نصوصهُ بمثابة وخزات يرادُ بها الإفصاح عمّا في النفس بطرق مختلفة، إنّهُ شاعر التناقضات ففي ص10 يقول: / تسلكني الطرق المائلة إلى الكنيسة / أشاهدُ القمر بوجه راهبة ثلاثينية / أعترفُ بأخطائي لها / فتطلبُ منّي قصيدة حتى تغفر لي وأبقى جاهزاً للدفن /  لا أعرف كيف للراهبات أن يسمعنّ الشعر الرديء/؟. لديه نظرة تشاؤمية عندما يعتقد بأنّ الميت يحبّ الشعراء الذين يموتون بسرعة ولكلّ حالة مقاماً، إنّ نصوص الجمال في قصائده هي بمثابة دعامة لهُ. تأتي معانيه كالغلو والنظرات الفلسفية والتفكير العلمي، فهو يصبّ جام غضبه على الأرواح الشريرة وليس الشياطين التي تمدّهُ بهذا النوع من الشعر، ربّما لديه نظرة تشاؤمية دائماً يُرددُ الموت كما يقول: في نفس القصيدة ص13، / يمنع تداول التسجيلات الصوتية التي تدلّ على مرضي/ كي أموت بطريقة أقلّ شهرة / ، يأتي بصور غريبة من كلّ فجّ ونحل، فشعرهُ كمزادة أحكم خرزها، فليس يقطرُ منها شيء، فيأكل التمر ليشتهر بعراقيته، ويمتلأ وجههُ بالألوان، كل هذه الشواهد تدلّ على وجود صور تظهر منها صياغة وقوة المعنى، قال: لي الناقد حسن النواب إلتقيتُ جميل في بغداد أيام إنتخابات إتحاد الأدباء والكتاب العراقيين المركز العام، لديكم شاعر خطير من بغديدا، قلتُ: لهُ من؟، قال: لي جميل الجميل الذي تتنوع موضوعات نصوصه، فهو لا يستكين لحادثه واحدة بل يغرفُ من أمور كثيرة، هكذا تكون فطرتهُ أو سليقتهُ، إنّ ذاتية الشاعر تدعو أحياناً إلى الإضطراب في الميول والثقافة والمزاج، ففي ص15 تظهر صورة جميلة يقولُ: فيها: / لقد تشظّت عيونهم وألتصقت بملابسنا /  لقد رأيتُ بائع الحليب يحملُ بقرة على ظهره / يدلّلها أكثر من زوجته /، تظهر في نصوص الشاعر كلمات مكررة كالبندقية، الرصاص، العسكري وكأنّ نفسهُ تتصرف حول معضلة الحرب، أيضاً في ص17 يقول: / وأتذكّرُ صوت القصف فأرتعش من الحياة /  وأتذوّقُ من الأبسلوت المطعم بالليمون في حلمي / حتى أصحو وحيداً / في صحراء تصادقُ أرداف زوجات العسكريين /، فيأخذُ من الشعر مأخذاً في وصف الرحيل والإنتقال والسفر، وأحياناً يختمُ كلامهُ بشيء من الحكم والنظرات في أحوال المجتمع. ينطبع الشعر بروحه بسهولة ووضوح، ضمن عبارات رصينة لا يقصد بها إلاّ إبراز المعنى وتحديدهُ، كقوله: في قصيدة” طائرة ورقية من الإنجيل” ص18، / ننخلُ أجسادنا في طرق ضيقة / مثلما تعلّمت السماء ترطّبُ أجسادنا كي ننهض / نحنُ الذين أسكتنا العالم بثقافتنا / نجمعُ التراب ونعجنهُ بدمائنا / ، يحكم في قصائده على كل شطط، ويرجع الأشياء لفطرتها، ولا يستبعد التراث الديني في تجنيس نصوصه، وفي نفس القصيدة ص19 يقول: / نحنُ حبل الحوت الذي شدّ يونان إسمهُ على أكتافها / وبعد شهر كبرت الأسماك وصارت نينوى / واليوم يقولون لنا من أنتم؟ / أجدادنا يفتحون أفواه الأرض / ويطعمون الجياع /، يشتاقُ الشاعر لتراب وطنه، يحملُ جماجم الشهداء في الأرض، ويضمّ الأجساد في الغربة، لهُ روح أدبية تاريخية لا تكل ولا تمل، يجري في تسمية أسماء رنّانة كـ كرخ سلوخ، كلكامش، مضاعة، بلاوات. يقترب بين الإستعارة والمستعار لهُ، فمثلاً يقول: في ص23 / وكسرتُ الشجرة التي كانت تصعقنا / أو كالإستعارة القائلة الموت ينشبُ أظفارهُ، فالشجرة لا تصعق ولكن هي إستعارة للعلو والمهابة، كأنّهُ يسلخُ من الليل النهار، فلابدّ لكلّ تشبيه يقدّر بالمشبه به، وهذا يعتبر نوع من الصياغة والجمال الفني، كونهُ درس اللغة العربية في جامعة الموصل لفترة بعد ذلك إنتقل إلى قسم الجغرافية، حتماً شملت إستعارته في اللفظ بعدّة صور، فهناك بوناً بعيداً في الإستعارة عندما يقول: / وصنعتُ من فريدون أثورايا رأساً طويلاً للطائرة / ومنذُ ذلك الحين: هي تطيرُ وأنا أكبر /  ونحنُ نكبرُ وهي تطيرُ وتقصفنا، لو قال: وتختفي لكان التأويل أكثر إستعارة، مثال: آخر يقول: في قصيدة: إستقامة جندي ص24 / الطائرات الضخمة على بعد كيلومترات / تهزّ جميع بيوتنا / والنوافذُ تكسرُ ذكريات الضباب /  ربّما يقول: البعض ما علاقة النوافذ بالضباب،  قد يمرّ الضباب على النوافذ فتنعدم الرؤية، وعندما تنكسرُ النوافذ، يتلاشى وتذهب عنهُ كل ذكريات الحياة، حتى جعل الجماد يتحرّك خلال الأواني الزجاجية، فيخرج الفردوس متهللاً بلقاء الله، وفي قصيدة توحّد ص32 يقول: / أنا مصابٌ بالتوحّد / عزلتني أمّي في قبو لا تهوية فيه / ولا أصوات العصافير! /  وفجأة صرتُ مختلّاً / وكبرتُ منبوذاً في قريتي / رسمتُ طائرات كثيرات /  إحداهنّ قصفت بيتنا / فأصبتُ بالتوحد! / أحياناً الطفل يبكي حين يولد ربّما لعلّة عضوية، ولكن الشاعر المتشائم الحزين فالإلهام يوقع في روعه، لما أقبل على داره من أكدار وأحزان، فهو يبكي شعراً إشفاقاً لجزعه، يفزعُ من صوت العصافير، يتوهّم في كلّ شبح مغتالاً يترصدهُ، أو يتبعهُ، تراهُ يُدخلُ في معانيه ثمرات ذهنية، وما دام الشعر تصوير الأهواء لا الآراء، والإفصاح عن الجوانح، وعن الإحساس الباطني، وتصويرٌ للنزعات التي تجيشُ في الصدور، فهو يستلم قريحتهُ من ضروب شتى، فذهن الشاعر يرى ذاك الإنفعال القوي والشعور الصادق، فيصورهما تصويراً للأجسام لا للأفكار، تظهر بعض الكلمات العامية مثل: يا يمّة، فلكة، كاونتر…إلخ، تفقد مدلولاتها في الفصيح رغم دعم القصيدة بشواهد معرفية قديمة، أحياناً يقال: أنّ سلاسة اللفظ تتبع سلاسة الطبع، فيظهر اللفظ عند كل شاعر في جْرسه ولهجته، أو تدخل مثل كلمة زقرها بلغة الكرشوني للسريان ومعناها باللغة العربية نسجها، ” إنّ للغة الشعرية طبيعة خاصة، تعتمد إعتماداً كبيراً على الظلال والألوان المختلفة التي تثيرها الكلمات” . وتظهر قصيدة وطن ص60 تنهمرُ الصور فيها، تعالجُ قضايا يختصرها بـ أريدُ وطن!.. فيقول: / سأخبّىءُ العراق في أشجار الكرسمس / قريباً من أعشاش القبّرات ! / وأحملُ منجلاً وأذهبُ إلى التحرير / مغطّياً وجهي بالخليقة / وسرعان وصولي أسأل  جواد سليم / أخرج من جداريتك / وأعطنا الوطن /، يشحن الشاعر مشاهد حقيقية في نصوصه مثل قصيدة: من سيعجنُ بكائي؟، ص66، حيث يقول: / وأخبّىءُ دموعي في الحدائق لئلا تخجل منّي/ مثلما خجل يهوذا من يسوع /، وتظهرُ قصائد أخرى لا يختفي عنها البريق، كـ مدوّنة سلوك عراقي، دائرة الأحوال الشخصية، رضيع، غربة داخل بيت، كيس من اللعنات، جندي مسنْ، لم تنته الحرب، إبادة جماعية، الحب في زمن كورونا، أبو صفار، هجرة موسمية، هجرة أذكى من صانع الداينمو، فهي تشدّ الشاعر للتمسك بأرضه وأستذكار الأدباء الراحلين من جلدته فهو ما زال يبحث بأشتياق عن القلوب الجائعة لإشباعها، فقد ترك حقيبتهُ في نصّ مفتوح وأرتحل!، أتمنّى لهُ الموفقية والنجاح لخدمة المشهد الشعري العراقي خاصة والعربي عامة،          

شاهد أيضاً

قراءة في (جغرافية الورد) للشاعر عبدالله نوري الياس

سامية خليفة/ناقدة لبنانية لبنان .. بيروت يقول الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه: “لا تكتب الشعر …