بعد استقالة ساكو… كيف تنتخب الكنيسة الكلدانيّة بطريركها؟

عمكاباد- اسي مينا

ربما أثار إعلان البابا لاوون الرابع عشر قبوله استقالة البطريرك الكلدانيّ الكاردينال لويس روفائيل ساكو من رئاسة الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم، عقب عقدٍ ونيّف من خدمة حافلة بتحدّيات رعوية وسياسيّة، تساؤلاتٍ إزاء توقيته، لا سيّما مع ما يعيشه العراق (مقرّ الكرسيّ البطريركيّ الكلدانيّ) وبلدان الشرق الأوسط عمومًا من تحدّياتٍ وسط أهوال الحرب والصراعات المتجدّدة.

لكن ثمّة تساؤلات أخرى بشأن الخطوة التالية في خلال المرحلة الانتقاليّة وآلية انتخاب خليفةٍ للبطريرك المستقيل، قد تبدو اليوم أكثر إلحاحًا لدى المؤمنين المتطلّعين نحو المستقبل، في زمنٍ تواجه الكنيسة في العراق وبلدان المشرق عمومًا تحدّيات جوهريّة إزاء حضورها في أرضها التاريخيّة متشبّثةً بجذورها، خصوصًا لجهة نزيف الهجرة.

كنيسة ذاتيّة الحقّ

لا بدّ من الإشارة أوّلًا إلى أنّ الكنيسة الكلدانيّة، وهي إحدى الكنائس المولودة من رحم كنيسة المشرق العريقة، تعدّ إحدى الكنائس ذات التقليد المشرقيّ، التي تتبع السلطة البابويّة في روما، لكنها تتمتّع «بحكمٍ ذاتيّ» وفق مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، القانون 27، ما يسمح لها بإدارة شؤونها الداخلية، وفق القانون الذي وضعته هي أو السلطة العليا في الكنيسة الكاثوليكيّة.

كيف يُنتخب بطريرك الكنيسة الكلدانيّة؟

تحدّد مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، التي تناولها الأب د. سالم ساكا المتخصّص في القانون الكنسيّ في كتابه عن البطريركيّات الشرقيّة الكاثوليكيّة، آليات انتخاب بطريركٍ جديد، لكنّها تشير أوّلًا إلى أنّ الأسقف الأقدم في الرسامة الأسقفيّة ضمن أساقفة الدائرة البطريركية يصبح مدبِّرًا للكنيسة عند شغور الكرسيّ البطريركيّ «بوفاة البطريرك أو تخلّيه».

وتقع على عاتق المدبِّر مسؤوليّة تهيئة جميع الأمور لانتخاب البطريرك الجديد، ودعوة سينودس الأساقفة إلى الالتئام، الذين بدورهم، يلتزمون حضور الانتخاب ما لم يطرأ عائقٌ صوابيّ.

وتؤكّد المجموعة أنّ انتخاب بطريركٍ «على وجهٍ شرعيّ» يكون في سينودس أساقفة الكنيسة الواجب انعقاده في «المقرّ البطريركيّ أو في مكانٍ آخر يعيّنه المدبّر، برضى السينودس» في غضون شهرٍ من تاريخ الشغور، مع مراعاة سريان «الشرع الخاصّ» للكنيسة شريطة ألّا يتجاوز الشهرين.

يحظى آباء السينودس حصرًا بحقّ الانتخاب، ولا يحقّ لسواهم الحضور في قاعة الانتخاب، باستثناء الإكليريكيّين الذين يساعدون في فرز الأصوات وتدوين أعمال الجلسة؛ في المقابل، لا يشترط القانون أن يكون البطريرك المنتخب أسقفًا فعليًّا في وقت الانتخاب.

نصاب الثلثَين

تحدّد مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية النصاب القانونيّ بحضور ثلثَي آباء السينودس «بعد حذف الذين يقيّدهم عائق مشروع»، ليكون السينودس قانونيًّا وقادرًا على انتخاب البطريرك.

وما لم تكن هناك معايير مختلفة وفقًا للشرع الخاص بالكنيسة، يُعَدّ مُنتَخَبًا مَن أحرز ثلثَي الأصوات، في إشارةٍ إلى ضرورة التوافق على شخص البطريرك العتيد.

ويتوجّب على آباء السينودس التزام المدّة القانونيّة للانتخاب وأمدها 15 يومًا. وفي حال فشل الانتخاب في غضونها، يحال الأمر إلى الحَبر الرومانيّ.

القبول والإعلان والتنصيب

إن لم يعلن المنتَخَب قبوله الانتخاب في غضون يومَين، يفقد كلّ حقٍّ اكتسبه من الانتخاب. وإن قَبِل، يُعلن السينودس انتخاب البطريرك الجديد ويحدّد موعد تنصيبه. ويتوجّب على الأخير أن يلتمس من الحبر الرومانيّ الشركة الكنسيّة بكتابٍ خطيٍّ موقّع، في أقرب وقت. وفيما لا يشرع في ممارسة مسؤولياته قانونيًّا إلّا عقب تنصيبه، لا تحقّ له دعوة سينودس الأساقفة إلى الانعقاد أو رسامة أيّ أسقف قبل تلقّي الشركة الكنسيّة من الحبر الرومانيّ.

ماذا عن البطريرك المستقيل؟

على صعيدٍ متّصل، تذكر مجموعة القوانين أيضًا أنّ البطريرك الذي يتخلّى عن وظيفته «يحتفظ بلقبه وكرامته، لا سيّما في الاحتفالات الطقسيّة»، ويخصّص له، وبرضاه، مكان إقامة مناسب مع تأمين سبل معيشة لائقة.

انتخابٌ ثمّ توريثٌ فانتخاب

جديرٌ بالذكر أنّ البطريرك شمعون الرابع الباصيدي (1437-1497) شرّع عمليّة التوريث في اختيار البطاركة، عوض الانتخاب، ليكون اختيار البطريرك الجديد من عائلة البطريرك القديم حصرًا. وهو ما واجه تذمّر أبناء الكنيسة ورفضهم، بخاصّة في العام 1539 عندما «اضطر البطريرك شمعون السابع برماما (1538-1558) إلى رسامة ابن شقيقه الذي لم يكد يبلغ الثانية عشرة ميتروبوليتًا بسبب عدم وجود شخص غيره في العائلة الأبويّة».

حينها اجتمع المعارضون واختاروا يوحنا سولاقا بطريركًا، فقصد الأخير روما ليعقد اتّحادًا مع الكنيسة الكاثوليكيّة. وهناك نال الرسامة من البابا يوليوس الثالث في أبريل/نيسان 1553 والذي أعلنه بطريركًا على الكلدان، وألبسه الدرع المقدّسة، مسلّمًا إيّاه البراءة التي تمنحه السلطة على المشرق والهند والصين، ليكون البطريرك الكلدانيّ الأوّل في الكنيسة الكلدانيّة «الكاثوليكيّة».تعود جذور المسيحية في بلاد ما بين النهرين إلى القرون الأولى بعد المسيح، إذ يُعدّ توما الرسول مؤسِّس المسيحية فيها وواعظها الأول، حسب التقليد، ومعه أدّي أحد الاثنين والسبعين تلميذًا وتلميذاه آجاي وماري. ودُعي مسيحيّو بلاد ما بين النهرين «كنيسة المشرق» في عصور لاحقة.

شاهد أيضاً

رسالة التّعزية الّتي بعثها قداسة البطريرك مار آوا الثالث، الى صاحب الغبطة والنّيافة مار بشارة بطرس الرّاعي

رسالة التّعزية الّتي بعثها قداسة ابينا البطريرك مار آوا الثالث، بطريرك كنيسة المشرق الآشوريّة في …