ريبين حكيم
غالبًا ما يُفهم التحضّر بوصفه انتقالًا شكليًا من نمط عمراني إلى آخر، أو تطورًا في مستوى الخدمات والبنى التحتية. غير أن هذا الفهم يبقى قاصرًا إذا لم يُقرأ التحضّر بوصفه عملية اجتماعية ثقافية شاملة، تمسّ أنماط التفكير والعلاقات والقيم قبل أن تنعكس على ملامح المكان.
تمثّل عنكاوا نموذجًا واضحًا لهذا المسار، إذ شهدت خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة لم تقتصر على الاقتصاد، بل طالت البنية الاجتماعية ونمط العيش والهوية المحلية.
التحضّر بين الشكل والمضمون
لا يقتصر التحضّر على امتلاك أدوات الحداثة أو مظاهرها، بل يتجلى في تغيّر النظرة إلى العمل والزمن والمسؤولية الاجتماعية. ففي المجتمع الزراعي، كان الإيقاع اليومي مرتبطًا بالمواسم، وكانت الأرض محور النشاط الاقتصادي والاجتماعي، ومصدرًا أساسيًا للهوية والانتماء.
أما مع التحول الحضري، فقد تبدلت هذه المعادلة، وأصبح العمل أكثر ارتباطًا بالوظيفة والخدمة والسوق، فيما تسارع إيقاع الحياة، وتبدلت أولويات الأفراد والجماعات.
المسار التاريخي للتحول
لم يكن انتقال عنكاوا إلى النمط الحضري حدثًا مفاجئًا، بل جاء نتيجة مسار تراكمي بدأ منذ ستينيات القرن العشرين، مع اتساع فرص التعليم والعمل خارج البلدة. عاد كثير من أبناء عنكاوا وهم يحملون خبرات وأنماط تفكير جديدة، ما أسهم في إدخال قيم حضرية إلى النسيج الاجتماعي المحلي.
غير أن التحول الأبرز تجسّد لاحقًا في فقدان الأرض الزراعية لوظيفتها الإنتاجية وتحولها إلى أرض سكنية. عند هذه المرحلة، لم يعد التغيير تدريجيًا، بل أصبح بنيويًا، إذ تغيّر موقع الأرض من كونها وسيلة عيش إلى أصل عقاري، وتبدّل معها معنى العمل والارتباط بالمكان.
من الاقتصاد المنتج إلى الاقتصاد الخدمي
في المرحلة الزراعية، اتسم الاقتصاد المحلي بدرجة عالية من الاكتفاء الذاتي، واعتمد على العمل العائلي والتعاون الاجتماعي. هذا النمط وفّر استقرارًا اقتصاديًا نسبيًا، وعزّز التماسك الاجتماعي.
ومع التحول الحضري، تراجع هذا النموذج لصالح اقتصاد يقوم على الخدمات والتجارة، ما رافقه انخفاض في الإنتاج المباشر، وظهور تحديات جديدة مثل البطالة بين فئات من الشباب، وتزايد النزعة إلى الهجرة بحثًا عن فرص أفضل.
تحولات العلاقات الاجتماعية
أحد أبرز آثار التحضّر يتمثل في تغيّر شكل العلاقات الاجتماعية. ففي المجتمع التقليدي، كانت العائلة والجيرة تشكلان شبكة دعم واضحة، وكانت الروابط الاجتماعية تقوم على القرب والتكافل.
أما في السياق الحضري، فقد أصبحت العلاقات أكثر فردانية، وأقل ثباتًا، وتراجع دور الجماعة لصالح الاستقلالية الشخصية. لا يعني ذلك بالضرورة فقدان القيم، بل إعادة ترتيبها ضمن سياق جديد يفرض تحديات مختلفة على التماسك الاجتماعي.
عنكاوا وأربيل: علاقة القرب والتأثير
للقرب الجغرافي من أربيل دور محوري في تسريع التحولات التي شهدتها عنكاوا. فمن جهة، أتاح هذا القرب فرصًا اقتصادية وخدمية، ومن جهة أخرى فرض ضغوطًا عمرانية وثقافية متزايدة.
هذا الواقع يطرح تساؤلًا مشروعًا حول كيفية تحقيق التوازن بين الاندماج في محيط حضري واسع، والحفاظ على الخصوصية الثقافية والاجتماعية للبلدة.
التحضّر بوصفه مسؤولية جماعية
التحضّر ليس مسارًا حتميًا لا يمكن توجيهه، بل عملية يمكن إدارتها بوعي وتخطيط. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في رفض التحول، بل في صياغة نموذج تنموي يراعي البعد الثقافي والاجتماعي إلى جانب البعد الاقتصادي، ويمنح الأجيال الشابة أفقًا للحياة والعمل داخل مجتمعها.
إن تجربة عنكاوا تكشف بوضوح أن التحول الاقتصادي لا ينفصل عن التحول القيمي، وأن فقدان الإنتاجية لا ينعكس على الاقتصاد وحده، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية والهوية المحلية.
ومن هنا، فإن التفكير في مستقبل عنكاوا يتطلب مقاربة متوازنة، ترى في التحضّر فرصة للتجديد والبناء، شرط أن يُدار بوعي يحفظ الذاكرة الجماعية، ويصون القيم التي شكّلت روح المكان عبر تاريخه.
المصدر
اعتمد هذا المقال على دراسة:
)التحول الاقتصادي في مجتمع عنكاوا( (للناشط ريبين حكيم 2018)
مجلة رديا كلدايا عدد٦٨

عمكاباد عنكاوا.. عمكاباد